الشيخ الطبرسي
30
تفسير جوامع الجامع
التَّعذيبَ باضْطِرارِ المُضطرِّ إلَى الشَيء الذي لا يَقْدِرُ على الانفكاكِ مِنْهُ ، والمُرادُ بالغِلَظِ : الشِّدّةُ والثِّقَلُ علَى المعذّب . ( قُلِ الْحَمْدُ للهِ ) إِلْزامٌ لَهُم على إقْرارِهِم بأنّ الّذي خَلَقَ السَماواتِ والأَرضَ هُو اللهُ وَحدَهُ ، وأَنّه يَجبُ أَن يكونَ لَهُ الحَمْدُ والشُكْرُ ، وأَنْ لا يُعبَدَ مَعَهُ غَيرُهُ ( بَلْ أكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) أنَّ ذلكَ يَلْزمُهُم . ( إنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِىُّ ) عن حَمْدِ الحَامِدينَ ، المُستَحقُّ للحَمْدِ وإنْ لَمْ يَحمدُوه . وقُرِئ : " والْبَحرَ " بالنَّصبِ ( 1 ) عَطْفاً علَى اسمِ " إنَّ " ، وبالرَّفْعِ عَطْفاً على مَحَلِّ " إنَّ " ومَعْمُولِهَا ، أَي : وَلَو ثَبتَ كَونُ الأَشْجار أَقْلاماً ، وَثَبتَ البَحْرُ مَمدُوداً بِسَبْعةِ أَبْحر ، أَو : علَى الابتداءِ والوَاوُ للحَالِ على معنى : وَلَو أنَّ الأَشْجارَ أَقْلاَمٌ في حَالِ كَونِ البَحر ممدُوداً ، وَهِيَ مِن الأَحْوالِ الَّتي حُكْمُها حُكْمُ الظُّروفِ ، ولاَ يَعُودُ مِنْها ضَميرٌ إلى ذي الحَالِ ، كبَيْتِ امرئ القَيسِ : وَقَد أَغتَدِي وَالطَيرُ في وُكُنَاتِها * بِمُنْجَرِد قَيْدِ الأَوابدِ هَيْكَلِ ( 2 ) جَعَلَ البَحْرَ الأَعظَمَ بمنزِلَةِ الدَّواةِ ، وَجَعَلَ الأَبحر السَبعةَ مَملُوءَةً مدَادَاً ، فَهِي تَصُبُّ فيهِ مَدادَها أبداً صَبَّاً لا ينقَطعُ ، فَمَعناهُ : وَلَو أنَّ أَشجارَ الأَرضِ أَقْلامٌ والبَحْرُ مَمدُودٌ بسَبعةِ أَبحر ، وكُتِبَتْ بتلكَ الأَقلام وبذلكَ المدَاد كَلِمَاتُ اللهِ ، لَنَفَدَتِ الأقْلامُ والمدَادُ وما نَفَدَتْ كَلِمَاتُ الله . وقَرَأَ الصَّادقُ ( عليه السلام ) : " والبَحْرُ مدَادُه " ( 3 ) ويقوّي الوَجْهَ الثاني . والأَوْلى أَن يكُونَ ( كَلِمَاتُ اللهِ ) عبَارةً عن مقدُوراتِهِ ومعلُوماتِهِ ، لأنَّها
--> ( 1 ) قرأه البصريان ( أبو عمرو ويعقوب ) . راجع كتاب العنوان في القراءات لابن خلف : ص 152 . ( 2 ) والبيت من معلّقته المشهورة ، وفيه يتمدّح بالفروسية ويتفاخر بها ، يقول : ربّما باكرت الصيد قبل نهوض الطير من أوكارها على فرس ماض في سيره ، قليل شعره ، عظيم لوحه . راجع ديوان امرئ القيس : ص 51 . ( 3 ) حكاها عنه ( عليه السلام ) القرطبي في تفسيره : ج 14 ص 77 .